لم تكن الحياة سهلة كما كان يعتقد ناصر، فبمجرد حصوله على وظيفة تناسب مؤهلاته الفنية براتب شهري بسيط، بدأ يدخر شيئاً من المال، ولكن تفاجأ بأن هذا يشكل معضلة لطموحه الذي يسعى لتحقيقه، فكيف سيوفر من هذا الراتب وهو قليل ولا يكفي لكثرة متطلبات الحياة وارتفاع الأسعار والضرائب؟ وفوق هذا، لا سند له من أبيه الذي لا يستطيع العمل لكبر سنه، وأخوته الثلاثة الذين يكافحون لتلبية احتياجاتهم العائلية اليومية، فكلٌّ منهم حامل همه.
في يوم من الأيام، وأثناء استراحة العمل لأداء الصلاة وتناول الغداء في مطعم قريب من عمله، أخذ يتصفح بجواله مواقع التواصل الاجتماعي ويتابع الأخبار الخاصة بمنطقته، فاستوقفه خبر وفاة أحد جيرانه من ذوي الشخصية الراقية والغنية في المجتمع. تجمدت عيناه على شاشة هاتفه الجوال وهو يقرأ الخبر، وحلق بخياله بعيداً، وأخذ يقسّم ثروة المتوفى بين أبنائه، وتساءل في نفسه: كم سيحصل كل واحد منهم؟ لابد أنه مبلغ كبير!
"لو كنت منهم لتحسن الحال…" في تلك اللحظة دخل ناصر عالم الأحلام، ورسم له صورة جميلة من الحياة ذات الرفاهية والشخصية المرموقة في المجتمع.
ولكن لم تكتمل تلك الصورة الجميلة التي عاشها في أحلام اليقظة حتى جاءه عامل المطعم ليبدد تلك الفرحة التي تمنى أن تكون هي حياته، وقال له باللهجة الدارجة لكل وافد: "صديق خلاص أكل؟" وكأنما يقول له: لقد أطلت الجلوس. رفع رأسه ونظر إليه بنظرة حادة، وزفر زفرة طويلة وتنهد وقال: "حتى بالحلم ما يكمل..".
نهض بعد أن دفع قيمة الطعام وتوجه إلى مقر عمله، تاركاً وراءه حلماً بعيداً عنه بُعد المشرقين. فهل يا ترى تتغير الأمور بعد مدة ويتحسن حاله المالي والنفسي أم سيظل في أحلام اليقظة؟



